اثارت الأحداث المتلاحقة في مصر قبل وبعد التعديلات الدستورية مجموعة من الملاحظات حول حاضر ومستقبل مصر في ضوء ما جال على الساحة السياسة في الفترة الأخيرة.
أول الملاحظات هي من نصيب النظام في مصر:
فقد جاءت التعديلات الدستورية بناء على الوعود التي اطلقها الرئيس مع حملته الإنتخابية لفترة رئاسية خامسة او قل برنامجه الإنتخابي بتوصيف نجله السيد جمال مبارك ولجنة السياسات.
التعديلات الدستورية اتخذت في شكلها النهج الديموقراطي الظاهر من استطلاع لأراء نواب الشعب حول التعديلات المقترح ادخالها على الدسثور وما هو مفترض حوار حول رأي مختلف الإتجاهات في تلك التعديلات.
بعد ذلك تم الإعلان عن ان الرئيس سيتقدم بحزمة من التعديلات تهدف الى إدخال اصلاحات وصفت بأنها تاريخية على الدستور والحياة السياسية.
ثم عقد الرئيس مؤتمرا جمع عددا من نواب الشعب والشخصيات العامة ليتقدم بإقتراحه بتعديل 34 مادة من الدستور. وما ان القى الرئيس حجر التعديلات في مياه السياسة المصرية حتى تحول الأمر الي فيضان من الجدل السياسي حول الهدف من التعديلات ومدي تلبيتها للحد الأدني من الإصلاح المنشود. ففي حين اعتبرت الصحف الحكومية التعديلات بأنها خطوة تاريخية غير مسبوقه للإصلاح. وصفتها شخصيات عامة ومعارضه وكذا الأحزاب والقوى السياسية بأنها نكسه تاريخية للإصلاح وخطوة اساسية على طريق التوريث واستبعاد للقوى السياسية والحزبية الفاعلة في مصر.
وعندما طرحت التعديلات في مجلس الشورى والشعب كان الأمل ان يتم تعديل بعض نقاط الخلل الأساسية في المواد الدستورية المقترحة خاصة المادة 88 التى تلغي الإشراف الكامل على الإنتخابات (قاضي لكل صندوق) لتقصر الإشراف القضائي على اللجان العامة والمادة 179 الخاصة بمكافحة الإرهاب التي تلغي فصول اساسية في الدستور تحمي الحريات الشخصية وسرية الإتصالات وحرمة المساكن. وجاءت بدرجة اقل المادة الخامسة من الدستور التى تتحدث عن منع أي نشاط على اساس دينى وقيام الأحزاب على اساس ديني وهي المادة الوحيدة التى طرأ عليها تعديل لتجعلها اكثر تشددا لتمنع حتى قيام الأحزاب على "مرجعية دينية" لتقطع الطريق اليوم وللأبد على الإخوان المسلمين واي جماعة اخرى ذات توجه اسلامي ان تدخل الحياة السياسية من باب الأحزاب.
لفت نظري في بداية نظر التعديلات مقولة للدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب قال فيها لا تنتظروا تدخل الرئيس هذه المرة لإدخال تعديلات على بعض نصوص المواد المطروحه وهو ما حدث بالفعل رغم احتدام الحديث عن المادتين 88 و 179. كان ذلك مؤشرا ان التعديلات المطروحه غير قابلة للنقاش او التفاوض. وان ما سيطرح سوف يأخذ طريقه الشكلي الى مجلسى الشعب والشوري للحصول على مباركتهما فقط او خاتم المرور.
وصدق الحدس فقد مرت التعديلات كما هي اللهم الا من فصله حذفتها السيدة امال عثمان لتحل محلها نقطة. وهو اقصى ما استطاع أي عضو ان يفعله لتعديل طرح السيد الرئيس.
تلى ذلك عملية الإستفتاء التي تم تقديمها بحيث لم تدع لأحد الفرصة لا التفكير او الشرح. مما زاد الشكوك بأن التعديلات مقصودة المحتوى مقصودة التمرير. واختتمت معركة التعديلات الخاطفة بتحذير شديد اللهجة من قبل وزراة الداخلية بأنها لن تسمح لأحد بتعويق عملية الإستفتاء وهى التحذيرات التي قصد منها منع إعلان الرافضين عن رفضهم للتعديلات,
انتهت التعديلات بإعلان وزير العدل النتيجة بأن عدد المقبلين على التصويت – رغم إجماع المعارضة على مقاطعة الإستفتاء- بلغ أكثر من 27 % من عدد الناخبين المسجلين في الكشوف الإنتخابية. وكانت المفاجئة ان من ذهبوا للإستفتاء كانوا اكثر من الذين ذهبوا لإنتخابات مجلس الشعب الأخيرة رغم اهميتها وسخونتها. لتؤكد مجددا كما حدث في الإستفتاء الأول على المادة 67 بأن الشعب المصري يقبل على الإستفتاءات أكثر من الإنتخابات العامة!
الحقيقة ان التعديلات الدستورية جانها كثير من التوفيق في الإعداد والتنفيذ والاخراج النهائي فجاءت صادمه لأي مصري يمتلك حد ادنى من القدرة على القراءة والفهم ناهيك عن التحليل.
1- جاءت التعديلات بشكل فردي فى صورة عرض منفرد من الرئيس وبعيده تماما عن كل المقترحات سواء اللتى تقدم بها النواب او التي اثيرت على صفحات الصحف والمجلات والتي تحدثت عن حريات اكبر في تكوين الأحزاب وإصدار الصحف وتقليص لصلاحيات الرئيس و مدة رئاسته وكذا طلبات اخرى للعلمانيين والأقباط بإلغاء المادة الثانية من الدستور وكذا نسبة 50% عمال وفلاحيين.
2- تجاهلت التعديلات ركن اساسي يتميز به الدستور الا وهو الاستمرارية وهو ما ظهر في طلب تعديل المادة 88 التى تجعل الآنتخابات تتم في يوم واحد وهذا الأمر يتجاهل تماما فكرة الزيادة السكانية المضطرده وقلة عدد القضاة مما سيجعل عملية الإنتخابات بلا اشراف قضائي فعلى حتى في صورة اللجان العامة بل رمزي صوري.
3- اوحت التعديلات وصياغتها والطريقة التى مرت بها في مجلسي الشعب والشورى ان في مصر مجلس شعب او شورى مواز هو المطبخ الأساسي لكل ما يتم وسيتم في البلاد من قوانيين وتعديلات دستورية تتنزل على المجلس الذي لا يملك سوى حرية الموافقة مستغله في ذلك سيطرة الحزب الوطنى على المجلسين. هل هذه الجهة هى لجنة السياسات التى يبلغ عدد اعضائها اكثر من ألف عضوا يغطون كافة نواحى التخصص؟ وهل يمكن اعتبار هذا المطبخ الموازي تهميشا للمجالس الدستورية الأساسية التى تتحول الى مجالس اباء لا دور لها سوى التعبير عن الرغبات والموافقة على المقتراحات وكفى؟
4- توضح الحملة التى سبقت التعديلات على الإخوان المسلمين وحركة كفاية بأن النظام كان يتحسب لهاتين القوتين اللتين لعبتا دورا ساخنا في مظاهرات الإصلاح قبل الإنتخابات الرئاسية وما أعقبها من دفاع عن القضاة عندما حاولت الدولة شن حملة تأديب للقضاة لدورهم في انتخابات مجلس الشعب في 2005 بدأت بتحويل قاضيين لمجلس الصلاحية تمهيدا لعزلهما. وقد لعبت هذه الأحداث دور مهما في ابراز الاخوان وكفاية كقوتين بارزتين على الساحة السياسية. فقامت الدوله بخطف الإخوان بكل ما تعنية الكلمة من معنى فى صورة ضربات سريعة متلاحقة بل وشديدة العنف بتحويل ابرز قيادتهم للمحكمة العسكرية عصى الحكومة الغليظة التى تشهرها دائما ضدهم. كما حاولت الحكومة بإحداث الوقيعة بين اعضاء كفاية وتتعاملت مع مظاهراتهم بمنتهى القسوة لقطع الطريق عن أي مظهر احتجاجي كأن النظام كان يتمنى لو ان التعديلات تتم في سرية وبدون شوشرة.
5- تظهر المادة 179 موقفا حانقا من جانب النظام تجاه القوانيين الحالية وكذا القضاة و المحاكم الطبيعية بما فيها امن الدولة العليا التى تكبل حرية النظام في تعقب معارضية خاصة من الإسلاميين "بصورة قانونية" ففتحت هذه التعديلات الطريق أمام وضع قوانين جديدة اقوى حتى من قانون الطوارئ وكذا تفتح الطريق للرئيس ايضا لتحويل القضايا التى يراها لأي محاكم يراها مما يكرس للمحاكم الإستثنائية مثل "المحاكم العسكرية" وهو ما اتضح اكثر بسعي الرئيس لتعديل قانون الأحكام العسكرية ليجعله قضاء طبيعي بدرجتي تقاضي مما يمنح شرعية لهذا القضاء. وهو يؤكد حرص النظام على الشكل "قضاء مستقل له درجات تقاضي" في ذات الوقت الذي يجلس على منصته رجل "موظف" من المفترض ان همه الأول هو حماية النظام.
وأخيرا خرجت التعديلات كما يريدها النظام بالضبط ولكن بلا افراح شعبية وبهجه عامة بالتعديلات التى تقدم بها رئيسهم بناء على برنامجه الإنتخابي. الرئيس ادخل التعديلات والشعب لم يفرح والمعارضة وصفته انه يوم اسود في تاريخ مصر. التعديلات دخلت الدستور وستمر الأيام وقد يستفيد من ادخلها او لا يستفيد فمن قبل فعلها السادات وغير الدستور ليفتح مدد الرئاسة ولكن الرئيس مبارك هو الذي استفاد بها. ومن قبل كتب الحبيب بورقيبة في دستور الوطن التونسي ان مدد الرئاسة فترتين إلا للمجاهد الحبيب بورقيبة فهى مدى الحياة تقديرا لدوره في تحرير الوطن. فلا هو ظل في السلطة حتى نهاية عمره ولا الرئيس الحالي زين العابدين بن على اكتفى بفترتين.
صحيح الدستور هو قرآن الأوطان وأبو القوانين، إلا إنه ايضا كتاب مفتوح للعبث.
والى ملاحظات اخرى عن دفتر احوال الوطن قبل وبعد التعديلات.
No comments:
Post a Comment